أربعون عامًا من الحيرة: مفاجآت علمية عن علاقة التدخين بصحة الأمعاء

كشف باحثون في مركز "ريكن" للعلوم الطبية التكاملية في اليابان عن تفسير علمي جديد لما يُعرف بـ"مفارقة التدخين"، وهي الظاهرة التي حيّرت الأطباء والباحثين لأربعة عقود: كيف يمكن للتدخين أن يخفف أعراض التهاب القولون التقرّحي، في حين يؤدي إلى تفاقم مرض كرون، وهما من أمراض الأمعاء الالتهابية (IBDs).
خلفية الظاهرة
يعاني مرضى التهاب القولون التقرّحي من التهابات في بطانة القولون، بينما يمكن أن يظهر مرض كرون كبقع ملتهبة في أجزاء متفرقة من الجهاز الهضمي وقد يمتد إلى جميع طبقات جدار الأمعاء. وعلى الرغم من أن التدخين لا يُروَّج له كوسيلة علاجية، فقد لاحظ المرضى والأطباء منذ نحو 40 عامًا أن بعض أعراض التهاب القولون التقرّحي تتحسن لدى المدخنين.
الدور الحاسم للبكتيريا المعوية
بحسب تقرير "نيو أطلس"، سعى الباحثون إلى استكشاف دور الميكروبيوم المعوي في تفسير هذه الظاهرة. أظهرت نتائج الدراسة أن التدخين يسمح لبعض أنواع البكتيريا الفموية، مثل العقديات (Streptococcus)، بالبقاء في جدار الأمعاء الداخلية، في حين أن هذه البكتيريا تعبر الجهاز الهضمي وتغادر الجسم عادة لدى غير المدخنين.
عند تحليل المستقلبات المعوية - وهي المنتجات الثانوية لعملية الهضم - وجد العلماء مستويات مرتفعة من مركب الهيدروكينون لدى المدخنين، ما يوفر بيئة تسمح لهذه البكتيريا الفموية بالاستقرار والنمو داخل الأمعاء.
تفسير الاختلاف بين المرضين
لفهم هذا التأثير المتباين، أجرى الفريق الياباني تجارب على الفئران، وخلص إلى أن وجود هذه البكتيريا يحفّز نشاط خلايا Th1 المناعية. في حالة التهاب القولون التقرّحي، تساعد هذه الخلايا على كبح الاستجابة المناعية المسببة للالتهاب، ما يخفف الأعراض. أما في حالة مرض كرون، فإن هذه الخلايا نفسها تعزز الالتهاب وتفاقم الحالة.
آفاق علاجية واعدة
رغم أن الباحثين شددوا على أنهم لا ينصحون بالتدخين لعلاج التهاب القولون التقرّحي لما يسببه من أضرار صحية واسعة النطاق، إلا أنهم أشاروا إلى أن فهمهم الجديد لآلية انتقال البكتيريا من الفم إلى الأمعاء قد يمهّد لتطوير علاجات مبتكرة.
وقال الباحث الرئيسي هيروشي أونو: "تشير نتائجنا إلى أن انتقال البكتيريا الفموية - وخاصة من جنس العقديات - إلى الأمعاء وما ينتج عنه من استجابة مناعية، هو ما يفسّر تأثير التدخين الوقائي ضد المرض. ومنطقياً، فإن العلاج المباشر بهذه البكتيريا أو غير المباشر بمركب الهيدروكينون قد يتيح محاكاة الفوائد المحتملة للتدخين دون أضراره المعروفة".
يؤكد هذا الاكتشاف أن فهم التوازن المعقد بين الميكروبيوم المعوي والجهاز المناعي قد يفتح الباب أمام طرق جديدة وأكثر أمانًا لعلاج أمراض الأمعاء الالتهابية، مع الحفاظ على الحياد العلمي بعيدًا عن الترويج للتدخين.