تونس: اعتقال الصحفي محمد اليوسفي قبيل مشاركته في برنامج حول أزمة المياه
ألقت السلطات التونسية القبض مساء الجمعة، على الصحفي محمد اليوسفي، رئيس تحرير موقع "الكتيبة" الاستقصائي، المعروف بانتقاداته لسياسات الرئيس قيس سعيّد.
وقال نقيب الصحفيين التونسيين زياد الدبار، إلى جانب صحفيين آخرين، لوكالة "رويترز"، إن الشرطة أوقفت اليوسفي أثناء استعداده لدخول إذاعة "إكسبراس إف إم" للمشاركة في برنامج حواري.
وأكد مقدم البرنامج وليد بن رحومة، الذي كان من المقرر أن يستضيف اليوسفي "للحديث عن الحق في الماء"، في ظل أزمة المياه الخانقة التي تشهدها تونس في الفترة الأخيرة. وأضاف المتحدث أن الشرطة أبلغته باقتياد الصحفي للتحقيق، من دون أن تقدم له التفاصيل بشأن أسباب الاعتقال.
وبحسب المعطيات المتوفرة، أمر قاضي التحقيق بالاحتفاظ باليوسفي، وفتح تحقيق ضده على خلفية شبهات تتعلق بـ"الإثراء غير المشروع" و"غسل الأموال".
"حلقة جديدة في ملاحقة الصحفيين"
سبق أن أودع عدد من الصحفيين السجن، بينهم زياد الهاني ومراد الزغيدي وبرهان بسيس، فيما صدر بحق الصحفية خولة بوكريم حكم غيابي في يونيو/حزيران الماضي بالسجن.
وأثار توقيف اليوسفي ردود فعل غاضبة في أوساط حقوقية وإعلامية.
واعتبر الناشط الحقوقي رمضان بن عمر أن طريقة التوقيف توحي بوجود "قرار سياسي" مسبق، مشيرا إلى أن مكان إقامة الصحفي معروف، وكان بالإمكان استدعاؤه وفق الإجراءات القانونية المعتادة.
وقال بن عمر إن الطريقة التي جرى بها التوقيف تحمل، وفق تقديره، رسالة مفادها بدء "موجة جديدة من القمع"، مضيفًا أن ملف القضية قد "يُركّب لاحقًا" من خلال تفتيش هاتف اليوسفي وحاسوبه أو العودة إلى تحقيقاته الصحفية السابقة.
من جهته، وصف تحرك "نَفَس"، توقيف اليوسفي بأنه "حلقة جديدة من مسلسل التضييق على حرية الصحافة"، معتبرًا أن السلطة تسعى إلى "ترهيب الأصوات الناقدة وتحويل الكلمة إلى تهمة والرأي إلى جريمة".
كما أعلنت الأستاذة الجامعية رجاء بن سلامة تضامنها مع اليوسفي، ووصفته بأنه "صحفي لامع ومستقل"، محذرة من أن ملاحقة أصحاب الرأي قد تدفع المجتمع، بحسب تعبيرها، نحو "التوحش واللاعدالة واللاأمان" بدل "التحضر"، وداعية إلى إطلاق سراحه.
وكان اليوسفي قد تعرض في الفترة الأخيرة لحملة انتقادات من أطراف مقرّبة من السلطة، فيما وجّه هو بدوره انتقادات حادة إلى الوضع السياسي في البلاد، معتبرًا أن تونس تمر بأزمات غير مسبوقة، وأن منظومة الحكم الحالية "في حالة انفصال تام عن الواقع".
منظمات حقوقية تحذر من تصاعد ملاحقة الصحفيين
تنتقد منظمات حقوقية، بينها النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين ومنظمة العفو الدولية، استخدام المرسوم عدد 54 الصادر عام 2022 والمتعلق بالجرائم المرتبطة بأنظمة المعلومات والاتصال، والذي استُخدم في ملاحقة صحفيين ومحامين ونشطاء بتهم تتعلق بنشر أخبار زائفة أو التشهير.
كما انتقدت نقابة الصحفيين ومنظمة "مرصد الحرية" القضايا ذات الطابع المالي ضد صحفيين ونشطاء، معتبرتين أن تواتر هذه الملاحقات، سواء على خلفية قضايا التعبير أو الملفات المالية، يكشف عن توجّه مقلق يتمثل في تراكم القضايا القضائية، بما قد يؤدي إلى إطالة أمد الاحتجاز واستنزاف المعنيين قانونيًا ومهنيًا، ويشكل ضغطًا على حرية الصحافة والرأي والتعبير.
في المقابل، تؤكد السلطات التونسية أن الملاحقات القضائية تستند إلى تطبيق القانون، وأنه لا أحد فوق القانون أو مستثنى من أحكامه.
ومنذ أن اتخذ الرئيس قيس سعيّد إجراءات استثنائية في يوليو/تموز 2021، علّق خلالها عمل البرلمان، انتقلت البلاد تدريجيًا إلى الحكم عبر المراسيم الرئاسية.
وكانت حرية التعبير قد شهدت "انتعاشة" بعد ثورة 2011 التي أطاحت بالرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، وأسهمت في إشعال احتجاجات "الربيع العربي" في المنطقة.
إلا أن منتقدي سعيّد يرون أن تركيز السلطات بيده منذ 2021، إلى جانب الإجراءات والمراسيم التي اتخذها، أدى إلى تراجع الضمانات الديمقراطية وملاحقة عدد من الصحفيين بسبب مواقفهم أو كتاباتهم أو منشوراتهم على مواقع التواصل الاجتماعي.
وخلال السنوات الأخيرة، أُوقف وسُجن عدد من قادة أحزاب المعارضة، إلى جانب سياسيين وصحفيين ونشطاء ورجال أعمال، في قضايا وتهم مختلفة، من بينها التآمر على أمن الدولة وغسل الأموال والفساد.
في المقابل، يرفض الرئيس قيس سعيّد الاتهامات الموجهة إليه بشأن تقييد الحريات، ويؤكد أن تونس لا تشهد عودة إلى الديكتاتورية، وأن "الحريات مضمونة في تونس".
وفيات في السجون.. وأزمة مياه
في سياق متصل، سجلت تقارير وفيات داخل السجون التونسية خلال الأسابيع الأخيرة، بالتزامن مع موجة حر شديدة فاقمت ظروف الاحتجاز الصعبة.
وأفادت تقارير حقوقية وإعلامية بوفاة عشرات السجناء، بينهم 28 شخصا فقط في سجن المرناقية بالعاصمة.
ويتزامن ذلك مع تفاقم أزمة المياه في تونس، التي شهدت خلال الأسابيع الماضية نقصًا حادًا في المياه المعبأة، إلى جانب انقطاعات متكررة في إمدادات المياه والكهرباء، ما زاد من حدة الضغوط على السكان خلال موجة الحر.
وفي مواجهة الانتقادات، تحدث الرئيس التونسي قيس سعيّد عن وجود "أعمال مدبّرة" تهدف إلى تأجيج الأوضاع ونشر البلبلة، في حين شككت أصوات سياسية في هذا الطرح، معتبرة أن تفسير الأزمات بوجود "متآمرين" لا يعفي السلطات من مسؤولية إيجاد حلول عملية لها.
Today