قد تمهّد لعلاجات جديدة.. باحثون يكشفون "آلية طبيعية" لكبح السرطان

يبحث فريق علمي من جامعة بوردو الأميركية في آلية جزيئية طبيعية تعمل كـ"فرامل" للنمو غير المنضبط للخلايا الذي يؤدي إلى السرطان، في خطوة قد تفتح آفاقًا أمام تطوير أدوية جديدة. الدراسة نُشرت في مجلة ساينس، ووصفت بأنها اكتشاف "يغيّر المفاهيم".
جين c-MYC في قلب الاكتشاف
يركّز البحث على جين c-MYC، وهو جزء من الحمض النووي (DNA) يُعتبر "مفتاح تشغيل" لمجموعة كبيرة من الجينات. هذا الجين يُعد المحرك الأساسي لجميع سرطانات الدم ونحو 80% من الأورام الصلبة. وعندما يعمل بشكل غير طبيعي، فإنه يدفع الخلايا إلى التكاثر بسرعة وبشكل غير منضبط، ما يؤدي إلى نشوء الأورام.
خلال الدراسة، أوضح الباحثون أن هذا الجين يحتوي على مقاطع غنية بجزيء يُسمى "غوانين"، يمكن أن تتجمع لتشكّل عُقدًا مؤقتة في الحمض النووي تُعرف باسم G-quadruplex. هذه العقدة عبارة عن "عقدة أو حلقة غريبة" في الشريط الوراثي، تظهر بكثرة في الخلايا السرطانية.
وعندما يرتبط بها بروتين يُسمى nucleolin (وهو بروتين يساعد عادة في تنظيم نشاط الجينات)، فإنه يثبّتها ويمنع نسخ الجين، أي يوقف عملية إنتاج بروتين c-MYC الذي يغذي الورم.
وقالت البروفيسورة دانتشو يانغ، المشرفة على البحث: "نعتقد أن هذا النظام تطوّر طبيعيًا كآلية لمواجهة السرطان. إنه أشبه بفرامل طبيعية. إذا استطعنا استهداف هذه العقدة وتثبيت ارتباطها بالبروتين لفترة أطول، يمكننا تعطيل نشاط الجين الورمي c-MYC وبالتالي إبطاء أو حتى علاج السرطان".
صور على مستوى الذرات
وباستخدام صور عالية الدقة تكشف تفاصيل على مستوى الذرات (أي أصغر مكونات المادة)، أظهر الباحثون أن بروتين nucleolin يرتبط بأربع حلقات من الحمض النووي في شكل كروي جديد كليًا. عادةً ما تكون الروابط بين البروتينات والحمض النووي ضعيفة، لكن في هذه الحالة فإن الوحدات الأربع للبروتين تتعاون لترتبط بجميع الحلقات الأربع دفعة واحدة، ما يجعل الارتباط قويًا للغاية ومحددًا.
وأشارت يانغ إلى أن "الآلية التي اكتشفناها غير متوقعة تمامًا، إذ لم يتصور أحد أن الحمض النووي يمكن أن يرتبط بالبروتين بهذه الطريقة".
أهمية الاكتشاف في العلاج
يُعد جين c-MYC واحدًا من أصعب الأهداف في أبحاث السرطان، لأن تعطيله دوائيًا كان دائمًا تحديًا. لكن معرفة البنية ثلاثية الأبعاد للمركب بين الحمض النووي والبروتين على المستوى الذري، تتيح للعلماء تصميم أدوية ترتبط بهذه العقدة الجينية وتثبت وجودها لفترة أطول.
هذه الاستراتيجية يمكن أن توقف نشاط الجين المسبب للأورام، وتفتح مجالًا لتطوير فئة جديدة من العلاجات التي تعمل على ما يسمى "التحكم النسخي فوق الجيني" – أي التحكم في تشغيل الجينات أو إيقافها من دون تغيير تسلسل الحمض النووي نفسه.
آفاق البحث المستقبلي
يخطط فريق جامعة بوردو لمواصلة دراسة كيفية تفاعل هذه العقدة مع بروتينات أخرى تتحكم في نسخ الجينات. الهدف هو بناء صورة أوضح للآليات الطبيعية التي تنظم نشاط الجينات، ثم استغلال هذه المعرفة لتطوير "مثبطات" – أي أدوية توقف عمل الجينات المسببة للأورام.
وشارك في هذا البحث إلى جانب يانغ أستاذ العلوم البيولوجية نيكولاس نويناج، وعدد من طلاب الدراسات العليا والباحثين بعد الدكتوراه، إضافة إلى خبراء من مؤسسات علمية أخرى.
Today