كيف نجحت تايلاند في إنهاء أزمة رهائنها في غزة مع الحفاظ على توازن علاقاتها في الشرق الأوسط؟

أشارت صحيفة "جيروزاليم بوست" إلى أن الحفل الذي نظمه السفير التايلاندي الجديد في إسرائيل، بونيارِت فيشيينبنتو، في مقر إقامته في "هرتسليا بيتوح" لم يكن مجرد مناسبة اجتماعية أو ثقافية عابرة، بل تَحوّل إلى منصة لإرسال رسائل سياسية ودبلوماسية بالغة الدقةي.
طعام أصيل ورسائل سياسية
الحدث الذي حمل عنوان "مهرجان الضوء: سحر التراث التايلاندي" قدّم للضيوف– وبينهم نائب مدير عام وزارة الخارجية الإسرائيلية لشؤون آسيا والمحيط الهادئ أفيف عزرا وعدد من السفراء– صورة متكاملة عن الثقافة التايلاندية. تضمنت الأمسية عروض رقص تقليدي، وتجسيدًا لمراسم "لوي كراثونغ" عبر إطلاق السلال الزخرفية في المسبح، بالإضافة إلى عرض طهي حي لطبق "باد تاي" قاده السفير بنفسه، مؤكدًا: "أنا أتناول الطعام التايلاندي يوميًا، ومنذ أن كنت دبلوماسيًا شابًا وحتى اليوم أطبخ بنفسي".
الطعام كان حاضرًا كأداة دبلوماسية بامتياز، حيث قدّمت أطباق أصيلة مثل سلطة البابايا، والأرز اللزج بالمانغو، وحلوى "لوك تشوب"، إلى جانب مشروب تقليدي وصفه الساقي بأنه علاج قديم. وتم التذكير ببرنامج Thai SELECT الذي يمنح شهادات للمطاعم الملتزمة بالوصفات الأصلية، وهي شهادة حصلت عليها عدة مطاعم في إسرائيل.
تكريم العمال والحديث عن الرهائن
الفقرة الأبرز كانت تكريم العمال التايلانديين في إسرائيل، الذين صعدوا إلى المنصة بدعوة من السفير. وأكد فيشيينبنتو أمام الحضور: "هؤلاء عمال بناء وتايلاند فخورة بهم لأنهم يحققون لنا أكبر الإيرادات في وقت صعب اقتصاديًا. إنهم يساعدون عائلاتنا كما منحونا احترامًا متبادلًا من الحكومة الإسرائيلية".
هذا التكريم حمل بعدًا يتجاوز البروتوكول، خاصة أن تايلاند واجهت بعد هجمات 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 خسائر فادحة بوفاة 39 مواطنًا تايلانديًا وخطف 32 آخرين. ومع ذلك، تمكنت بانكوك من التفاوض على إطلاق سراح جميع الأحياء منهم: 23 في تشرين الثاني/نوفمبر 2023 بوساطة قطرية وإيرانية مع حركة حماس، وخمسة آخرين في كانون الثاني/يناير 2025 بعد 481 يومًا في الأسر. وما تزال جثامين عاملين تايلانديين محتجزة في غزة.
وبحسب الصحيفة، اليوم يعمل نحو 40 ألف تايلاندي في إسرائيل، برواتب تصل إلى 1500 دولار شهريًا، أي خمسة أضعاف ما يمكن أن يجنوه في وطنهم، ما يجعلهم ركيزة أساسية في قطاعات الزراعة والبناء والخدمات.
دبلوماسية "من دون انحياز"
أوضح السفير التايلاندي في مقابلة مع "جيروزاليم بوست" أن بلاده تتعامل مع القضية بحذر شديد ودون انحياز، وقال: "شعبنا أبرياء. العمال الذين عانوا من السابع من أكتوبر ليسوا أطرافًا في الصراع، ولا نريد أن يُستخدموا أو يُستهدفوا من أي جانب. كحكومة تايلاند، من واجبنا الوطني أن نحميهم".
وعن قدرة بلاده على الموازنة بين العلاقات مع إسرائيل والتواصل مع أطراف إقليمية أخرى مثل إيران، أجاب: "نحن لا نحتاج إلى الحفاظ على هذه العلاقات لأنها قائمة أصلًا، مع شعبكم وأصدقائنا الآخرين. المهم أن ندرك أن شعبنا أبرياء".
وأكد السفير أن تايلاند تدعم حل الدولتين لكنها تعي تعقيدات تحقيقه، مشددًا: "لا يمكنك استخدام القوة فقط لفرض أي شيء. الاحترام المتبادل والفهم المتبادل لا يتحققان إلا بالحلول الدبلوماسية".
احتفال بمغزى سياسي
الحفل تخلله عروض تراثية مدرجة على قائمة اليونسكو، مثل رقصة "خون" المقنعة والزي الوطني التايلاندي المرشح للاعتراف كتراث غير مادي. كما أُعلن عن تعاونات مستقبلية محتملة تشمل الأمن السيبراني والتجارة.
وفي ختام الأمسية، شارك السفير أفيف عزرا في إطلاق "كراثونغ" في مسبح مقر الإقامة، في رمز للتخلي عن الأحزان واستقبال البركة. وقال السفير مبتسمًا: "أعتقد أنني سأقيم المزيد من الحفلات كهذه في المستقبل".
Today