المحكمة الجنائية الدولية تفصل تحقيق طالبان عن القضية الأمريكية ومصير الأفغانيات غامض
بعد مرور خمسة أعوام على سقوط أفغانستان في قبضة حركة طالبان إثر سيطرتها على كابول، أفادت تقارير بأن المحكمة الجنائية الدولية فصلت تحقيقها في جرائم طالبان عن التحقيق الأوسع الخاص بأفغانستان، في خطوة قد تخفف الضغوط التي تمارسها واشنطن على المحكمة.
وبحسب موقع Middle East Eye، أمر قضاة الدائرة التمهيدية الثانية في المحكمة الجنائية الدولية المدعين العامين بفتح تحقيق مستقل في مزاعم اضطهاد طالبان للنساء، وفصله عن التحقيق الطويل الأمد للمحكمة بشأن أفغانستان، والذي كان يشمل أيضا مزاعم جرائم ارتكبها أفراد من القوات الأمريكية.
وخلصت الدائرة، وفق التقارير، إلى أن سلوك طالبان منذ عام 2021 "مختلف جوهريا" عن السلوك الذي أجيز التحقيق الأصلي للنظر فيه، ووجهت المدعين العامين إلى فتح تحقيق منفصل.
ورفض مكتب المدعي العام في المحكمة الجنائية الدولية تأكيد القرار أو نفيه لـ"يورونيوز"، لكنه أوضح أن طالبان هي محور اهتمام التحقيق.
وقال متحدث باسم المكتب إن "التحقيق يتركز على قيادة طالبان والجرائم المنسوبة إليها في ما يتعلق باضطهاد النساء والمعارضين السياسيين، بما في ذلك حرمانهم من الحقوق الأساسية والاعتقالات المنهجية والتعذيب".
وأضاف المتحدث: "إن مكتب المدعي العام غير قادر على تقديم مزيد من التعليقات بشأن التحقيق، أو بشأن وجود أو عدم وجود أي مذكرات أو وثائق مزعومة أمام المحكمة لم تُنشر للعلن".
"مقلق للغاية"
شهرازاد أكبر، الرئيسة السابقة للجنة المستقلة لحقوق الإنسان في أفغانستان والزميلة حاليا في كلية وولفسون بجامعة أكسفورد، لم تُخفِ قلقها من قرار الفصل.
وقالت في تصريحات لـ"يورونيوز": "أي عدالة انتقائية أمر مقلق للغاية"، مضيفة أنه "من المقلق أيضا سماع أن التنمر الأمريكي والتهديدات والهجمات على المحكمة تؤثر في القرارات المتعلقة بالتحقيقات".
وأوضحت أكبر أن منظمات المجتمع المدني الأفغاني "طالبت المحكمة الجنائية الدولية مرارا بإجراء تحقيقات شاملة في كل الادعاءات التي تندرج ضمن صلاحياتها"، بما في ذلك الادعاءات ضد القوات الأمريكية، ووصفت سلوك واشنطن تجاه المحكمة طوال مسار التحقيق بأنه "مروع ومخزٍ".
وتتعلق الاتهامات الموجهة إلى أفراد أمريكيين في أفغانستان أساسا بحالات موثقة لسوء معاملة محتجزين في مرافق احتجاز تابعة لوكالة الاستخبارات المركزية هناك، بما في ذلك موقع الاحتجاز السري المعروف باسم "سولت بيت" شمال كابول، وبسلوك محققي الجيش الأمريكي.
وخلص تقرير لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ الأمريكي لعام 2014 بشأن برنامج الاحتجاز والاستجواب التابع لوكالة الاستخبارات المركزية إلى أن المحتجزين تعرضوا للإيهام بالغرق والحرمان من النوم وأساليب أخرى تشكل إذلالا وتعذيبا.
في اليوم التالي، أعلنت وزارة العدل الأمريكية أنها لن تفتح أي تحقيقات جنائية جديدة بناء على تلك النتائج، كما أكدت أنه إذا أصدر أي بلد أجنبي مذكرة توقيف بحق مسؤول أمريكي على صلة بالبرنامج فلن تقوم بتنفيذها.
ولم تعترف أي إدارة أمريكية حتى اليوم بارتكاب أفراد من الجيش أو وكالة الاستخبارات المركزية أخطاء أو انتهاكات في أفغانستان.
وخلال الولاية الأولى للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، رحب البيت الأبيض بحكم مبكر للمحكمة الجنائية الدولية رفض فتح تحقيق رسمي في أفعال أفراد أمريكيين بأفغانستان، واصفا القرار بأنه "انتصار دولي كبير" لـ"الوطنيين". وقد تم لاحقا التراجع عن ذلك القرار.
لماذا جرى جمع الملفين من الأساس؟
على عكس محاكم دولية أخرى، لا تفصل المحكمة الجنائية الدولية تحقيقاتها وفقا لأطراف النزاع، بل تنظر في ما تسميه "وضعا" محددا بالمنطقة الجغرافية والفترة الزمنية.
وصادقت أفغانستان على نظام روما الأساسي عام 2003، مانحة المحكمة صلاحية النظر في الجرائم المرتكبة على الأراضي الأفغانية منذ ذلك التاريخ، بغض النظر عن الجهة التي ارتكبتها.
وعندما أذنت دائرة الاستئناف بفتح تحقيق رسمي عام 2020، شمل التحقيق طالبان وشبكة حقاني المتحالفة معها، وتنظيم "الدولة الإسلامية-ولاية خراسان" (داعش-خراسان)، والقوات الحكومية الأفغانية، وأفراد الجيش الأمريكي ووكالة الاستخبارات المركزية، ضمن ملف تحقيق واحد.
وفي عام 2021، قرر المدعي العام آنذاك كريم خان خفض أولوية الجزء المتعلق بأفعال الأمريكيين، مفضلا توجيه موارد المحكمة إلى التحقيق في أفعال طالبان وتنظيم "داعش-خراسان".
لكن بما أن "الوضع" الأوسع في أفغانستان ظل مفتوحا رسميا، فقد كان للضغوط السياسية المستمرة من واشنطن، التي استهدفت التحقيق برمته، تأثير محتمل على القضية ضد طالبان لمجرد أن الجانبين كانا ضمن الملف نفسه.
وتزايد ذلك الضغط بشكل أوضح منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض في يناير 2025، إذ فرضت إدارته خلال أشهر مزيدا من العقوبات على مسؤولين في المحكمة مرتبطين بتحقيقات أفغانستان وفلسطين.
وفي ديسمبر، قال دبلوماسيون لموقع Middle East Eye إنه خلال اجتماع الرقابة على المحكمة، ضغطت واشنطن من أجل إسقاط التحقيقين بالكامل شرطا لرفع العقوبات عن مسؤولي المحكمة.
وقد صدرت مذكرات التوقيف في يوليو 2025 بحق زعيم طالبان هيبة الله أخندزاده ورئيس السلطة القضائية عبد الحكيم حقاني، بتهمة ارتكاب جريمة ضد الإنسانية تتمثل في اضطهاد النساء وكل من يُنظر إليهم كحلفاء لهن على أسس سياسية، في ظل تلك الضغوط.
هل تسعى واشنطن لإسقاط المحكمة؟
أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية الشهر الماضي عن خطط لحملة تهدف إلى "تفكيك" المحكمة و"تعطيل" قدرتها على العمل "بشكل منهجي" و"استهداف العسكريين أو المسؤولين الأمريكيين أو تهديد السيادة الأمريكية بأي شكل".
وقالت إن الخطوات قد تشمل فرض قيود إضافية وسحب تأشيرات، فضلا عن حظر سفر على موظفي المحكمة الجنائية الدولية.
وأعلنت واشنطن يوم الثلاثاء فرض عقوبات جديدة على رئيسة المحكمة الجنائية الدولية توموكو أكاني والمحامي البارز عبدولاي سيي، متهمة إياهما بالمشاركة "مباشرة" في "جهود تبذلها المحكمة للتحقيق مع مسؤولين أو توقيفهم أو احتجازهم أو ملاحقتهم قضائيا عندما لا تكون حكوماتهم قد وافقت على اختصاص المحكمة".
ووصف وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو المحكمة الجنائية الدولية بأنها "محكمة فوق وطنية فاسدة ومسيّسة بشكل قاتل"، مضيفا أنها "أساءت استخدام سلطتها بصورة خبيثة وتجاوزت ولايتها".
وقال روبيو إن المحكمة "سعت مرارا إلى فرض سلطتها على رعايا الولايات المتحدة ودول أخرى لم توافق على اختصاصها ولم تصادق على نظام روما الأساسي".
لم تصادق الولايات المتحدة يوما على نظام روما الأساسي. فقد وقّعه الرئيس بيل كلينتون في أيامه الأخيرة في المنصب في ديسمبر 2000، لكن إدارة جورج دبليو بوش سحبت التوقيع رسميا في مايو 2002 وأبلغت الأمم المتحدة أن الولايات المتحدة لا تعتزم أن تصبح طرفا في النظام.
وفي العام نفسه، أقر الكونغرس الأمريكي قانون حماية أفراد القوات المسلحة الأمريكية، الذي يجيز للرئيس استخدام القوة العسكرية لتحرير أي مواطن أمريكي أو مواطن حليف تحتجزه المحكمة الجنائية الدولية، وهو تشريع عُرف بشكل غير رسمي باسم "قانون غزو لاهاي".
"هدية لطالبان"
ترى أكبر أن تصرفات واشنطن بعد انسحابها من أفغانستان تجاوزت حدود مجرد التخلي عن البلاد.
وقالت: "هذا السياق شجّع على سلوك إجرامي وانتهاكات واسعة النطاق حول العالم"، مضيفة أن ذلك يشكل "هدية لأنظمة مثل طالبان، التي يمكنها الاستمرار في الإفلات من العقاب في ظل نظام عالمي متداعٍ وتراجع سيادة القانون".
وأضافت: "إن تجاهل الولايات المتحدة للقانون الدولي وهجماتها على المحكمة يشجّع أطرافا مثل طالبان ويغذي رواياتهم عن انحياز المحاكم الدولية لصالح الغرب".
وبحسب تقييم للأمم المتحدة في مارس 2024، تحولت أفغانستان تحت حكم طالبان إلى أكثر بلد قمعي في العالم بالنسبة للنساء.
ومنذ أغسطس 2021، أصدرت طالبان أكثر من 50 مرسوما أخرجت النساء بشكل منهجي من الحياة العامة في أفغانستان.
ويُحظر على الفتيات التعليم بعد الصف السادس، ما يجعل أفغانستان الدولة الوحيدة في العالم التي تُمنع فيها النساء من التعليم الثانوي على أساس النوع الاجتماعي.
كما يُمنع النساء من العمل في معظم الوظائف، بما في ذلك العمل لدى المنظمات غير الحكومية ووكالات الأمم المتحدة، كما تُحظر عليهن المنتزهات والصالات الرياضية والأماكن العامة.
وأُصدرت مراسيم أخرى تستهدف اضطهاد أفراد مجتمع "LGBTQ+" في أفغانستان، من خلال تمكين "شرطة الأخلاق" من معاقبة ما تصفه بـ"الجرائم الأخلاقية" وتجريم العلاقات الجنسية المثلية صراحة.
وقالت أكبر، التي تشغل أيضا منصب المديرة التنفيذية لمنظمة "رواداري" الأفغانية لحقوق الإنسان، إن منظمات حقوق المرأة الأفغانية، وباحثي حقوق الإنسان والناجين من الانتهاكات "دعموا تحقيق المحكمة الجنائية الدولية في كل مراحله وساهموا في مساره"، مع المطالبة في الوقت نفسه بتوسيع نطاق التحقيق.
وماذا بعد؟
من غير المرجح أن يمثل أي من مسؤولي طالبان الصادر بحقهم مذكرات توقيف أمام المحكمة، إذ تسيطر الحركة بالكامل على الأراضي الأفغانية منذ انسحاب الولايات المتحدة عام 2021، وقد وصفت المذكرات بأنها "عداء للإسلام".
ويتولى أخندزاده قيادة طالبان منذ عام 2016، خلفا للملا أختر منصور الذي قُتل في غارة أمريكية بطائرة مسيرة في باكستان. ولم يظهر أخندزاده علنا منذ توليه المنصب، ويعتقد أنه يدير شؤون الحركة من قندهار في جنوب أفغانستان.
ويُعتبر المسؤول النهائي عن أكثر الأوامر تقييدا بحق النساء.
أما رئيس الجهاز القضائي عبد الحكيم حقاني، فيُنظر إليه على أنه المهندس الرئيسي للأدوات القضائية التي تطبق تلك الأوامر، بما في ذلك العودة إلى الجلد والإعدامات العلنية.
وعند سؤالها عما حققته مذكرات التوقيف حتى الآن، قالت أكبر إنها رغم أهميتها، ظلت ذات تأثير محدود.
وأضافت: "رحبنا بخبر مذكرات التوقيف لأنه مثّل لحظة عدالة ومساءلة بعد عقود من الإفلات من العقاب في أفغانستان"، وتابعت: "كنا نأمل أن تُبطئ المذكرات أيضا مسار تطبيع حركة طالبان".
وختمت بالقول: "لتغيير الوضع في أفغانستان نحتاج إلى إرادة سياسية أقوى من دول المنطقة والدول الغربية، للتعامل مع طالبان على أسس متشابهة والمطالبة بالتراجع عن الحظر والقيود المفروضة على حقوق وحريات النساء والفتيات في أفغانستان".
تمت ترجمة هذا النص بمساعدة الذكاء الاصطناعي. الإبلاغ عن مشكلة : [feedback-articles-ar@euronews.com].
Today