نتنياهو يصف إردوغان بـ"الديكتاتور".. وأنقرة ترد: سياسة "رخيصة" لأهداف انتخابية
تصاعدت حدة التوتر بين إسرائيل وتركيا، على خلفية الغارة الإسرائيلية التي استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية في سوريا، والاتهامات المتبادلة بشأن زعزعة استقرار المنطقة، بالتزامن مع تحرك قضائي تركي لملاحقة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو دولياً على خلفية اعتراض "أسطول الصمود" المتجه إلى قطاع غزة في أيار/مايو الماضي واحتجاز الناشطين الذين كانوا على متنه.
واتسع نطاق المواجهة السياسية، اليوم الجمعة، بعدما وصف مكتب نتانياهو الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بأنه "ديكتاتور معادٍ للسامية"، لتردّ دائرة الاتصال في الرئاسة التركية باتهام نتانياهو بانتهاج "سياسة رخيصة" تهدف إلى تحقيق مكاسب انتخابية، وسط تحذيرات متبادلة من تصعيد قد يهدد الاستقرار الإقليمي.
وفي موازاة ذلك، كشف السفير الإسرائيلي لدى الولايات المتحدة يحيئيل لايتر أن تل أبيب تلقت معلومات استخباراتية تشير إلى اعتزام تركيا توسيع حضورها العسكري في سوريا بصورة كبيرة، معتبراً أن الخطوة مثّلت "تجاوزاً لخط أحمر" ودفعت إسرائيل إلى استهداف قاعدة أبو الظهور.
نتانياهو يهاجم إردوغان
وصف مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، في بيان، إردوغان بأنه "ديكتاتور معادٍ للسامية ارتكب مجازر بحق الأكراد، ويؤيد مجزرة حماس في 7 أكتوبر، ويقمع شعبه".
وأكد المكتب أن "إسرائيل ستواصل التصدي بقوة لمحاولات تركيا زعزعة استقرار المنطقة ولأي تهديد لأمنها"، مندداً بما اعتبره "نفاق تركيا".
وفي وقت سابق، اتهم نتانياهو إردوغان بالسعي إلى "توسيع نطاق عدوانه على إسرائيل ليشمل سوريا"، مضيفاً أن "إسرائيل لن تتسامح مع ذلك".
وكان نتانياهو قد أكد عقب الغارات على سوريا إن إسرائيل وجّهت رسالة إلى تركيا تحذّرها من إقامة قاعدة في سوريا، واختصر مضمون الرسالة بالقول: "لقد أوضحت إسرائيل الرسالة: لا تفعلوا ذلك".
الرئاسة التركية تردّ: "سياسة رخيصة"
وردّت دائرة الاتصال في الرئاسة التركية على تصريحات مكتب نتانياهو، ووصفتها بأنها "هذيانات وقحة" تستهدف إردوغان وتفتقر إلى الحقائق التاريخية والجدية السياسية.
وقالت إن هذه التصريحات "مؤشر آخر على حالة العجز التي وقعت فيها إدارة تتهرب من المحاسبة على جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية".
وأضافت أن "هذه السياسة الرخيصة التي ينتهجها نتنياهو وأعوانه، والتي تهدف أيضاً إلى تحقيق أفضلية له في الانتخابات، لا تلقى أي صدى، لا في مجتمعه ولا في منطقتنا ولا لدى المجتمع الدولي ولا لدينا".
واعتبرت أن التصريحات الإسرائيلية صدرت عن "إدارة تنتظر المثول أمام آليات العدالة الدولية للمحاسبة على اتهامات الإبادة الجماعية"، مضيفة أنها تُظهر حجم الانزعاج من "كلام تركيا وموقف رئيسنا الذي لا يلتزم الصمت في مواجهة الحقيقة".
ورأت الرئاسة التركية أن الحملة الانتخابية في إسرائيل وقعت، خلال الأيام الأخيرة، تحت تأثير "شعبوية أمنية غير مسؤولة وسياسة تهديد تزداد حدة".
وأضافت أن محاولة إدارة نتانياهو تصوير تركيا على أنها مصدر تهديد جديد تشكّل جزءاً من هذه "السياسة الرخيصة"، محذّرة من أن سياسة التهديد ومحاولات تصعيد التوتر، خدمةً للمنافسة السياسية الداخلية، تحمل مخاطر جدية على المجتمع الإسرائيلي والسلام والاستقرار الإقليميين والعالميين.
وأكدت أن تركيا ستواصل "الوقوف في وجه الظالم وإلى جانب المظلوم، والدفاع بحزم عن السلام والعدالة والاستقرار في المنطقة مهما كان الثمن".
أبو الظهور في قلب التصعيد
جاء التراشق بعدما اتهمت سوريا إسرائيل، الثلاثاء، بقصف قاعدة أبو الظهور الجوية قرب حلب في شمال غرب البلاد، وهي قاعدة متوقفة عن الخدمة منذ عام 2012.
وقالت إسرائيل إن وفداً عسكرياً تركياً تفقّد المطار أخيراً، بينما أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان بأن الزيارة جاءت "في إطار مساعٍ لإعادة تشغيله".
في المقابل، نفت وزارة الدفاع التركية، الخميس، وجود أي قوات تركية في المطار، وشددت على أنها ستواصل "حماية سيادة سوريا وسلامة أراضيها".
وأفاد مسؤولون سوريون بأن المطار تعرّض لثماني ضربات إسرائيلية على الأقل، فيما أظهرت صور أقمار اصطناعية نُشرت بعد الغارات أضراراً لحقت بمدرجاته.
سفير إسرائيل: خط أحمر جرى تجاوزه
من جهته، أكد السفير الإسرائيلي لدى الولايات المتحدة، يحيئيل لايتر، في حديث صحيفة "جيروزاليم بوست" إن إسرائيل حصلت على معلومات استخباراتية واضحة تشير إلى أن تركيا تعتزم توسيع وجودها العسكري في سوريا بصورة كبيرة، وهي خطوة اعتبرتها تل أبيب تجاوزاً لخط أحمر.
وأضاف: "نحن لا نسعى إلى التصعيد أو الحرب، لا مع تركيا ولا مع سوريا. لكن خطاً أحمر جرى تجاوزه".
وأوضح أن الخطوة التركية المفترضة كان من شأنها أن تشكّل "انتهاكاً تركياً صارخاً للتفاهمات"، مضيفاً: "اطّلع على المعلومات الاستخباراتية من كان ينبغي أن يطّلع عليها، وعرف ما كان آتياً من كان ينبغي أن يعرف. لقد أوضحنا أن هذا يشكّل انتهاكاً لتفاهماتنا، ولهذا السبب تصرّفت إسرائيل بالطريقة التي تصرّفت بها".
وبحسب لايتر، فإن عدم الاستجابة للتحذيرات الإسرائيلية دفع تل أبيب، الثلاثاء، إلى قصف قاعدة أبو الظهور، حيث كان من المتوقع، وفق التقارير الإسرائيلية، وصول قوات تركية إليها.
تفاهمات لتجميد الوضع في سوريا
وقال لايتر إن التحرك التركي المفترض يتناقض مع تفاهمات تم التوصل إليها خلال إدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن بين إسرائيل وإدارة الرئيس السوري للمرحلة الانتقالية أحمد الشرع، وتقضي بـ"تجميد الوضع القائم" في سوريا.
وأضاف أن هذه التفاهمات أُعيد تأكيدها خلال اجتماع عُقد في باريس في كانون الثاني/يناير 2026، بحضور وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، والمبعوث الأميركي إلى سوريا توم برّاك، ورئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي آنذاك غيل رايخ، والسكرتير العسكري لنتانياهو رومان غوفمان، الذي يشغل حالياً منصب رئيس جهاز الموساد.
وأوضح السفير الإسرائيلي أن "التجميد يعني أنه مثلما لا يتحرك الأتراك، فإننا لا نتحرك نحن أيضاً، وهم لا يجبروننا على الانسحاب".
وأضاف: "من المهم أن نفهم أنه في حين نسيطر على 78 ميلاً مربعاً فقط في سوريا، ضمن منطقة أمنية، نفّذ الأتراك ضماً زاحفاً لـ3500 ميل مربع في شمال سوريا خلال الأعوام القليلة الماضية، أي نحو 5 في المئة من أراضي البلاد".
وأشار إلى أن كبار المسؤولين الأميركيين لم يدينوا الغارة الإسرائيلية في سوريا، باستثناء المبعوث الأميركي إلى سوريا والسفير لدى تركيا توم برّاك.
وقال إن "سياسة الإدارة تتمثل في استمرار التجميد المتفق عليه سابقاً، ولهذا السبب لم يُدن حتى ترامب الضربة".
إسرائيل تستبعد مواجهة مع سوريا
ورغم التصعيد، أكد لايتر أن إسرائيل تدرك أن سوريا لا تريد الدخول في مواجهة أو حرب معها.
وقال: "من الواضح لنا أن السوريين لا يريدون مواجهة معنا. ولهذا نقول للأتراك: لا تخلقوا صراعات. وهناك أكثر من مؤشر إلى أن الخطوة التي خططت لها تركيا فُرضت على السوريين".
وأشار إلى وجود تضارب بين الروايتين السورية والتركية بشأن التحركات في قاعدة أبو الظهور، قائلاً: "في حين أقرّ وزير الخارجية السوري الشيباني بوجود وفد تركي في سوريا قبل عدة أيام من الضربة، نفى الأتراك ذلك. وعليهم أن يسوّوا الأمر فيما بينهم".
ولم يستبعد لايتر استئناف المحادثات المباشرة بين إسرائيل وسوريا، لكنه ربط ذلك بتوافر الظروف المناسبة.
وقال: "يمكن استئناف المفاوضات. ونريد مواصلة الحوار المباشر الذي أجريناه سابقاً مع السوريين".
انفتاح مشروط على الحوار مع أنقرة
وأكد لايتر أن إسرائيل لا تسعى كذلك إلى مواجهة مع تركيا، وأنها لا تزال منفتحة على الحوار مع أنقرة.
وقال: "نحن بالتأكيد منفتحون على الحوار معهم، لكن وفقاً لتصريحات كبار المسؤولين في البلاد، فإنهم يفضّلون محو إسرائيل عن الخريطة".
وأشار في هذا السياق إلى تصريحات متكررة لإردوغان اتهم فيها إسرائيل بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، فضلاً عن تصريح وزير الخارجية التركي هاكان فيدان بأن "إسرائيل وصمة عار على جبين الإنسانية".
واتهم لايتر تركيا باستضافة قادة من حركة حماس وتحويل أموال إلى حزب الله وحماس، اللذين وصفهما بأنهما "ذراعا إيران ضد إسرائيل".
وقال: "في وقت تستضيف فيه تركيا قادة حماس وتنقل أموالاً إلى حزب الله وحماس، ذراعَي إيران ضد إسرائيل، ليس من المناسب لها أن تبدأ بتوسيع نفوذها في لبنان وسوريا".
وأضاف: "في ظل الظروف الحالية، لا يمكن لتركيا أن تكون قوة تساعد في تهدئة المنطقة".
وتابع: "أتمنى لو كان بإمكاننا العودة إلى الوضع الذي كان قائماً قبل عدة عقود في العلاقات بين القدس وأنقرة. حينها، كنا سنكون منفتحين على النفوذ التركي في المنطقة. لكن ليس من المنطقي أن يتنامى النفوذ التركي في المنطقة بينما تموّل تركيا منظمات إرهابية".
تركيا تتحرك لملاحقة نتانياهو دولياً
يتزامن التصعيد السياسي والعسكري مع تحرك قضائي تركي ضد نتانياهو على خلفية اعتراض القوات الإسرائيلية "أسطول الصمود" الذي كان متجهاً إلى قطاع غزة في أيار/مايو الماضي.
وأعلن وزير العدل التركي أكن غورليك أن بلاده طلبت إصدار "نشرة حمراء" من منظمة الشرطة الجنائية الدولية "الإنتربول" بحق نتانياهو ومواطن إسرائيلي آخر، في إطار التحقيق في اعتراض الأسطول وتوقيف الناشطين الذين كانوا على متنه.
وأوضح غورليك أن مذكرتَي توقيف صدرتا في 14 تموز/يوليو بحق نتانياهو وأفيك موسكوفيتش على خلفية اتهامات بالإبادة الجماعية، وأن وزارة العدل طلبت من وزارة الداخلية اتخاذ الإجراءات اللازمة لملاحقتهما دولياً.
وتشمل القضية 35 متهماً، وتنظر فيها الدائرة الجنائية العليا الحادية عشرة في إسطنبول.
وبحسب السلطات التركية، تشمل الاتهامات جرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية والحرمان المشدد من الحرية والتعذيب والإيذاء العمد وتدمير الممتلكات والنهب، إضافة إلى الاستيلاء على وسائل نقل.
اعتراض "أسطول الصمود"
كانت القوات الإسرائيلية قد اعترضت "أسطول الصمود" في أيار/مايو في المياه الدولية غرب السواحل القبرصية، واحتجزت أكثر من 430 ناشطاً كانوا على متن نحو 50 مركباً.
واقتادت السلطات الإسرائيلية الناشطين إلى سجن كتسيعوت في جنوب إسرائيل، قبل ترحيلهم لاحقاً إلى بلدانهم.
وكان الأسطول قد انطلق من تركيا بهدف تسليط الضوء على الوضع الإنساني في قطاع غزة ومحاولة كسر الحصار البحري المفروض عليه، في ظل الحرب المستمرة بين إسرائيل وحركة حماس.
وتفتح الإجراءات القضائية التركية ضد نتانياهو فصلاً جديداً في المواجهة السياسية والقانونية بين أنقرة وتل أبيب، في وقت يتصاعد فيه خلافهما بشأن الوجود التركي في سوريا والعمليات العسكرية الإسرائيلية وتبادل الاتهامات بزعزعة استقرار المنطقة.
Today